أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي
169
كتاب النسب
والكوفة قفل راجعا إلى خراسان بعد مدة ليبدأ عمله مؤدبا لأولاد هرثمة بن أعين « 1 » - والي الرشيد على خراسان وكان مقره نيسابور 191 ه - وقد كان التأديب عملا جليلا لا يقوم به إلا كل عالم ضليع باللغة والأدب ، غير أن أبا عبيد لم يبق هناك طويلا وتوجه إلى مرو « 2 » يواصل عمله في تأديب الأولاد وتعليمهم وحظي في هذه الفترة من حياته وفي تلك المدينة ، بلقاء رجل من كبار قادة عصره وهو طاهر بن الحسين « 3 » كان هذا اللقاء مهما له ولمستقبله ، فقد كان طاهرا آنذاك - في حملة ضد رافع بن ليث أحد الثائرين على الحكم في خراسان « 4 » . وتذكر المصادر أن طاهرا هذا طلب رجلا يحدثه ليله فقيل له : ما هنا - في مرو إلا رجل مؤدب ، فأدخل عليه أبو عبيدة ، فوجده أعلم الناس بأيام الناس والنحو واللغة والفقه ، فقال له : من المظالم تركك أنت بهذا البلد ، ودفع اليه ألف دينار وقال له : أنا متوجه إلى خراسان في حرب ولست أحب استصحابك خوفا عليك ، فأنفق من هذا المال إلى أن أعود إليك « 5 » ، فألف أبو عبيد ( الغريب المصنف ) ولما عاد طاهر من خراسان حمله معه إلى بغداد حيث واصل فيها التحديث والتأليف « 6 » .
--> ( 1 ) هرثمة بن أعين قائد عربي شجاع ، عمل في جيش الخليفة هارون الرشيد ، الذي ولاه مصر ثم إفريقية بعد أن أخضعها ، ثم ولاه خراسان ، ثم أصبح من أكبر أعوان المأمون حيث قاد مع طاهر بن الحسين الحملة التي وجهها الخليفة ضد أخيه الأمين ، وكان له دور بارز فيها ، قتل سجينا بمرو 200 ه بفعل كيد المعادين له 2 . ( 2 ) مرو مدينة عظيمة تسمى أم خراسان تشتهر بزراعة البطيخ والقطن ، وتنتشر بها المدارس والمساجد وقد كانت معسكر الإسلام في أوله ومنها استقامت مملكة فارس للمسلمين ، وكانت قد افتتحت على يد الأحنف بن قيس في خلافة عثمان رضي اللّه عنه خرج منها العديد من العلماء والأعيان راجع معجم البلدان 5 / 112 116 ، الروض المعطار ص 533 . ( 3 ) طاهر بن الحسين ، من أكبر قواد الخليفة المأمون وهو الذي وطد له الملك بقتل أخيه الأمين ولاه المأمون شرطة بغداد ، ثم ولاه خراسان وكان يلقب بذي اليمنيين توفي عام 207 انظر ترجمته في تاريخ بغداد 9 / 353 - وفيات الأعيان 1 / 235 . ( 4 ) تاريخ الطبري 3 / 713 . ( 5 ) انباه الرواة 3 / 15 ، تاريخ بغداد 12 / 405 ، مخطوطة تاريخ دمشق ابن عساكر المجلد 14 الورقة 162 . ( 6 ) بعض المصادر أوردت أن طاهر بن الحسين حمل معه أبا عبيد إلى مدينة سرمنرأى مثل تاريخ بغداد 12 / 405 ، انباه الرواة 3 / 15 ولما رجعنا إلى معاجم البلدان للاطلاع على أخبار هذه المدينة وجدناها تجمع على أن سامراء لم تؤسس إلا في عام 221 ه أي زمن الخليفة المعتصم الذي أمر ببنائها لعسكره من الأتراك ( الروض المعطار ص 300 ) . ورجعنا أيضا لتاريخ وفاة طاهر بن الحسين فوجدنا 207 ه أي قبل أن تؤسس مدينة ( سر من رأى ) وهذا بالطبع يناقض ما ذكرته المصادر السابقة .